الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة في أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان كان: أهمية موضوع الحرب العالمية الثانية ومسؤولية المفكر والموظف السامي

نشر في  21 ماي 2026  (21:26)

بقلم الناقد الطاهر الشيخاوي

تعرضنا إلى موضوع الحروب القائمة وكيفية تعامل مهرجان كان معها، فلا فائدة في إطالة الحديث والتركيز على تغييب أهمها.

ولعل الإفادة تكمن جانبا. 

فدعنا نتجه نحو الحرب العالمية الثانية التي أخذت حيزا كبيرا في هذه الدورة، فهناك على أقل تقدير ثلاثة أفلام هامة تناولت الموضوع.

الفيلم الأول هو "مولان" للازلو نيميس السينمائي المجري المشهور. كان قد فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان كان سنة 2015 بشريطه "ابن سول" تعرض فيه الى نفس الموضوع. سجين يسعى إلى تأمين مراسم دفن ابنه حسب معالم ديانته سنة 1944. يعود هذه السنة في "مولان" إلى شخصية زعيم المقاومة الفرنسية جان مولان الذي كلفه الجنرال دي غول بتوحيد حركات المقاومة ضد الاحتلال الألماني.

يبدأ الفيلم برجوعه إلى فرنسا قادما من لندن ويعرض حيثيات لقاءاته بزعماء الحركة وحثهم على لمّ الشمل. ثم يمرّ إلى ظروف إيقافه من طرف الجستابو ومواجهته لكلوس باربي رئيس فرعها بمدينة ليون. قصّة جان مولان معروفة لدى الرأي العام الفرنسي ولكن جزئيات اختطافه وتعذيبه وموته ما تزال منقوصة، فشهرته تتمثل في رمزية شجاعته التي ساهم أندري مالرو فيها بقسط وافر بخطابه المشهور عند تحويل رماد جثته في البانثيون مقبرة العظماء. اللافت في الشريط هو بالتحديد تقريب صورة المناضل من مخيلة المشاهد، فركزت الكاميرا أكثر ما يمكن على دقائق ظروف الإيقاف والتعذيب، ما يترك أحيانا لدى المشاهد نوعا من الانزعاج خاصة أن الفيلم لا يقدم إضافة تذكر في الأحداث أو في قراءتها.

الفيلم الثاني هو "فاذرلاند" للمخرج البولوني المشهور باول باولكوسكي الذي تحصل على العديد من الجوائز العالمية منها جائزة الإخراج في مهرجان كان لفيلمه "الحرب الباردة". شريط "فاذرلاند" الذي يحمل أيضا عنوان "1949"، فيروي عودة الكاتب الألماني توماس مان إلى بلاده بعد نهاية الحرب ويتابع أطوار مداخلاته واستقباله من طرف سلطتي ألمانيا الشرقية والغربية. يطرح الشريط مسؤولية المفكرين والأدباء في الشأن السياسي، فمن الواضح أن قراءة الأحداث تحيل على ما يجري اليوم في المعسكرين الشرقي والغربي أي بالأساس أمريكا وروسيا في مقابلة تبتعد عما كانت عليه علاقة المعسكرين. لذلك كان دور ابنته في الشريط أساسيا لأنها لا تشاطره الرأي دائما في مواقفه. علما أن ساندرا هلر ذائعة الصيت هي التي تقوم بدور الممثلة أريكا مان. ثم غياب كلوس ابنه ثم خبر وفاته أخذا أيضا حيزا كبيرا في القصة. التساؤل حول مسؤولية المفكر في عالمنا الراهن ما كان ليكون بتلك الأهمية لولا براعة المخرج و قدرته على إدارة ممثليه ومتابعتهم متابعة دقيقة تترك مجالا للتفكير لدى المشاهد.

أما الفيلم الثالث "خلاصنا" فهمو للمخرج ايمانويل مار. هنري مار مهندس طموح لا يدخر جهدا لبلوغ مراتب عالية في حكومة فيشي بفرنسا تحت الاحتلال الفرنسي. هنا اختار المخرج شخصية غير معروفة، مستوحاة من حياة جدّه، ما يفتح قراءة القصة على الأحداث الجارية الآن في تورط العلماء والموظفين السامين في سياسات يعلمون أنها تتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان لا لشيء إلا لخدمة مصالحهم وشهرتهم الشخصية على حساب شعوبهم. عمل لا يخلو من نجاعة في هذا الباب، ثمة عناية شديدة في تتبع الشخصية وان كانت النتيجة أقل مما يمكن انتظاره.

تساهم الأفلام الثلاثة في المسابقة الرسمية وهو مؤشر على الأهمية الحارقة للموضوع في سياق سياسي عالمي يشهد نوعا من الفتور لدى المفكرين والموظفين والمختصين في عديد المجالات أمام انحرافات الأنظمة التي تدّعي الديمقراطية نحو المزيد من الابتعاد على مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة.